"عن أسَيرِ بن جابر قال: كان مُحدثٌ بالكُوفةِ يحدِّثُنا فَإِذا فرغَ من حديثهِ تَفَرقوا ويبقى رهطٌ فيهم رجلٌ يتكلمُ بكلامٍ لا أسمعُ أحدًا يتكلمُ كلامَه، فأحبَبته فَفَقَدْتُه؛ فقلتُ لأصحابى: هل تعرفونَ رجلًا كان يجالسُنا كذا وكذا؟ فقال رجلٌ من القومِ: نعم أنا أَعْرفه، ذلك أويسٌ القَرَنِىُّ، قلت: فتعلمُ منزله؟ قال: نعم، فانطلقتُ معه حتى ضَرَبْتُ حجرته، فخرج إلىَّ، قلت: يا أخى، ما حَبَسك عنا؟ قال: الْعُرْىُ، وكان أصحابُهُ يسخرونَ به ويُؤْذُونه، قلت: خُذْ هذا البُرْد فَالْبَسْه، (قال: لا تفعل؛ فإنهم إذن يؤذوننى إن رَأَوْه علىَّ، فلم أزل به حتى لبسه)، فخرج عليهم، فقالوا: (خُدِعَ عن برده
هذا؟ قال: فجاء فوضعه وقال: ألا ترى؟ قال أسير: فأتيت المجلس فقلت: ما تريدون من هذا الرجل؟ قد آذيتموه! ! الرجل يعرى مرة، ويكتسى مرة، فأخذتهم بلسانى أخذًا شديدًا، فقُضى أن أهل الكوفة وَفَدوا إلى عمر، فوفد رجلٌ ممن كان يَسْخرُ به، فقال عمر: هل ههنا أحد من القَرَنِيِّين؟ فجاء بذلك الرجل، فقال (إن رسول اللَّه ﷺ قد قال: إن رجلا يأتيكم من اليمن يقال) له أويسٌ، لا يدع باليمن غير أَمٍّ له، وقد كان به بياضٌ فدعا اللَّه فأذهَبَه عنه إلا مثلَ موضع الدرهم، فمن لقيه منكم فمروه فليستغفرْ لكم، قال: فقدم علينا، قلتُ: من أين؟ قال: من اليمن، قلت: ما اسمك؟ قال: أويس، قلت: فمن تركت باليمن؟ قال: أُما لى، قلت: أكان بك بياضٌ فدعوت اللَّه فأذهبه عنك؟ قال: نعم، قلتُ: استغفرْ لى، قال: أو يستغفر مثلى لمِثْلِك يَا أمير المؤمنين؟ قال: فاستغفر، قلت له: أنت أخى لا تفارقنى، فامَّلس منى، فَأُنْبِئْتُ أنه قدم عليكم الكوفة، قال: فجعل ذلك الرجل (الذى) كان يسخر به ويحقره يقول: (ما) هذا فينا وما نعرفه؟ فقال عمر: بلى، إنه رجل كذا، كأنه يضعُ من شأنِه، قال: فينا يا أمير المؤمنين رجل يقال له أويس نَسْخَر به، قال: أَدْرِك ولا أرَاكَ تُدرك، فَأقبلَ ذلك الرجل حتى دخل عليه قبلَ أن يأتى أهله، فقال له أويس: ما هذه بعادتك فما بدا لك؟ قال: سمعت عمر يقولُ فيك: كذا وكذا فاستغفرْ لى يا أُويس، قال: لا أفعلُ حتى تجعلَ لى عليك أن لا تسخر بى فيما بعد، ولا تذكر الذى سمعته من عمر إلى أحد؛ فاستغفر له، قال أُسير: فما لبثنا أن فشا أمره في الكوفة؟ فأتَيْتُه فدخلت عليه فقلت: يا أخى ألا أول العجب ونحن لا نشعر؟ قال: ما كان في هذا ما أتَبلَّغُ به في النَّاسِ، وما يُجزى كل عبدٍ إلا بعمله، ثم امَّلس منهم فذهب".
Add your own reflection below:
Sign in from the top menu to add or reply to reflections.