"عَنِ المسور بن مخرمة قال: خرجنا حُجاجًا مع عمر بن الخطاب فنزلنا منزلًا بطريق مكة يقال له: الأبواء، فإذا نحن بشيخ على قارعة الطريق فقال الشيخ: يأيها الركب قفوا فقال عمر: قفوا؛ فوقفنا، فقال [عمر: قل يا شيخ! قال: ] أفيكم رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال عمر: أمسكوا لا يتكلمَّن أحد. ثم قال: أتعقل يا شيخ؟ قال: العقل ساقنى إلى ههنا، ثم قال: توفى النبى ﷺ . قال: وقد تُوفى ﷺ ؟ قال: نعم، فبكى حتى ظننا أن نفسه ستخرج من جنبيه، ثم قال: فمن ولى أمر الأمة من بعده؟ قال: أبو بكر، قال: نحيف بنى تميم؟ قال: نعم، قال: أفيكم هو؟ قال لا، قال: وقد تُوفى؟ قال: نعم، فبكى حتى سمعنا لبكائه شحيجا، ثم قال: فمن ولى أمر الأمة بعده؟ قال: عمر بن الخطاب، قال: فأين كانوا عن أبيضَ بنى أميةَ؟ -يريد عثمانَ بنَ عفان-
فإنه كان أَلْيَنَ جانبا وأقربَ؟ قال: قد كان ذاك، قال: إن كانت صداقة عمر لأبى بكر لمسلمة إلى خير أفيكم هو؟ قال: هو الذى يكلمك منذ اليوم، قال: أغثنى؛ فإنى لم أجد مغيثًا، قال: ومن أنت؟ بلغك الغوث، قال: أنا أبو عقيل أحد بنى مليل لقيت رسول اللَّه ﷺ على ردهة بنى جعل، دعانِى إلى الإسلام فآمنت به وصدقت بما جاء به، سقانِى شربة من سويق، شرب رسول اللَّه ﷺ أولها وشربت آخرها، فما برحت أجد شبعها إذا جعت، ورِيِّها إذا عطشت، وبردها إذا أصبحت، ثم تَيَمَّمْتُ رأس الأبيض أنا وقطعة غنم لِى، أصلى في يومى وليلتى خمس صلوات، وأصوم شهرًا وهو رمضان، وأذبح شاة لعشر ذى الحجة، أنسك بها، ذاك علمى حتى ألفت بها السنة فما أبقت لنا منها إلا شاة واحدة، كنا ننتفع بدرها فَغَبَنَهَا الذيب البارحة الأولى، فأدركنا ذكاتها، فأكلنا وبلغناك ببعض فأغث أغاثك اللَّه، فقال عمر: الغوث بلغك، الغوث. الغوث، أدركنى على الماء، قال المسور ابن مخرمة: فنزلنا المنزل، وأفضنا من فضل زادنا وكأنى أنظر إلى عمر مُتْعَبًا على قارعة الطريق، آخذًا بزمام ناقته لُمْ يطعم طعاما، ننتظر الشيخ وَنَرْمُقهُ، فلما رحل الناس دعا عمر صاحب الماء، فوصف له الشيخ وجلاه له وقال: إذا أتى عليك فأنفق عنيه وعلى آله حتى أعود إليك إن شاء اللَّه، قال المسور: فقضينا حجنا وانصرفنا، فلما نزلنا المنزل، دعا عمر صاحب الماء فقال: أحَسَسْتَ الشيخ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، الماء لِى وهو مُوعَكٌ، فمرض عندى ثلاثا، فمات ودفنته، وهذا قبره، فَكَأَنِّى أنظر إلى عمر وقد وثب مباعدا بين خطاه حتى وقف على القبر فصلى عليه، ثم اضطجع وبكى حتى سمعنا لبكائه شَحِيجًا، ثم قال: كره اللَّه له منَّتَكمُ وسبق به، واختار له ما عنده إن شاء اللَّه، ثم أمر بأهله فحملوا معه، فلم يزل ينفق عليهم حتى قبض".
Add your own reflection below:
Sign in from the top menu to add or reply to reflections.