"حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحُدَيبِيَةِ وَكَانَتِ الْحُدَيْبِيةُ فِى شَوَّال، فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِعُسْفَانَ لَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِى كَعْبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّا تَرَكْنَا قُرَيْشًا وَقَدْ جَمَعَتْ أَحَابِيشَها تُطعِمُهَا الْخَزِيرَ يُريدُونَ أَنْ يَصُدُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا تبرز عفان لَقِيَهُمْ خَالِدُ ابْنُ الوليد طليعةً لِقُرَيْشٍ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هلم هَهُنَا فَأَخَذَ سَرْوَعَتَيْنِ -يَعْنِى بَيْنَ شَجَرتَيْنِ وَمالَ عَنْ سَنَنِ الطَّرِيقِ- حَتَّى نَزَلَ الْغَمِيمَ فَلَمَّا نَزَلَ الْغَمِيمَ خَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى- وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِما هُوَ أهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ جَمَعَتْ لَكُمْ أَحابِيشَهَا تُطعِمُهَا الْخِزيرَ يُريدُونَ أَنْ يَصُدُّونَا عَنِ الْبَيْتِ، فَأَشِيرُوا عَلَىَّ بِمَا تَرَوْنَ. أَنْ تَعْمِدُوا إِلَى الرَّأس -يَعْنِى أَهْلَ مَكَّةَ أَمْ تَروْنَ أَنْ تَعْمِدُوا إِلَى الرَّأس- يَعْنِى أَهْلَ مَكَّةَ أَمْ تَرَوْنَ أَنْ تَعْمِدوا إِلَى الَّذِينَ أخافوهم فَتخالِفُوهُمْ إِلَى نِسَائهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ، فَإِنْ جَلَسُوا جَلَسُوا مَوتورينَ مَهْزُومِينَ، فَإِنْ طَلَبُونَا طَلَبُونَا طَلَبًا مُتَدَارِيًا ضَعِيفًا فَأخْزَاهُمُ اللَّهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنْ تَعْمِدْ إِلَى الرَّأسِ فَإِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- مُعِينُكَ وَإِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- نَاصِرُكَ، وَإِنَّ اللَّهَ مُظهِرُكَ، قَالَ الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ وَهُوَ فِى رَحْلِهِ إِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ لا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِنَبِيِّهَا: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمْ مُقَاتِلُونَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا غَشِى الْحَرَمَ وَدَخَلَ أَنْصَابَهُ بَرَكَتْ نَاقَتُهُ الْجَدْعَاءُ فَقَالُوا: خَلأَتْ، فَقَالَ: واللَّهِ مَا خَلأَتْ وَمَا الْخَلأ
بِعَادَتِهَا، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ عَنْ مَكَّةَ، لَا تَدْعُونِى قُرَيْشٌ إِلِى تَعْظِيمِ الْمَحَارِمِ فيسبقونى إليها، هلم هاهنا لأصْحَابِهِ- فَأَخَذَ ذَاتَ اليمين فِى ثَنِيَّةٍ تُدْعَى ذَات الْحَنْظَل حَتَّى هَبَطَ عَلَى الْحُديبيةِ، فَلَمَّا نَزَلَ اسْتَسْقَى النَّاسُ مِنَ الْبِئْرِ فَنُزِفَتْ، وَلَمْ تَقُمْ بِهِمْ، فَشَكَوا ذَلِكَ إِلَيْهِ فَأَعْطَاهُمْ سَهْمًا مِنْ كنَانَتِهِ فَقَالَ: اغْرِزُوهُ فِى الْبِئْرِ، فَغَرَزُوهُ فِى الْبِئْرِ فَجَاشَتْ وَطَمَا مَاؤهُا حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ، فَلَمَّا سَمِعْتْ بِهِ قَرُيِشٌ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ أَخَا بَنِى حُلَيْسٍ وَهُمْ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْهَدْى، فَقَالَ: ابْعَثُوا الْهَدْى، فَلَمَّا رَأَى الْهَدِى لَمْ يُكَلِّمْهُمْ كَلِمَةً، فَانْصَرَفَ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا قَوْمُ: الْقَلَائِدُ، وَالْبُدْنُ، وَالْهَدْىُ، فحذرهم وعظم عَلَيْهِم، فَسَبَّوه وَتَجَهَّمُوهُ وَقَالُوا: إِنَّمَا أَنْتَ أَعْرَابِىٌّ جِلفٌ لَا يُعْجَبُ مِنْكَ، وَلَكِنَّا نَعْجَبُ مِنْ أَنْفُسِنَا إِذْ أَرْسَلنَاكَ، اجْلِسْ، ثُمَّ قَالُوا لِعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: انْطَلِقْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَلَا تُؤْتَيَنَّ مِنْ وَرَائِكَ، فَخَرجً عُرْوَةُ حَتَّى أَتَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَا رَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ سَارَ إِلَى مِثْل مَا سَرْتَ إِلَيْهِ، سِرْتَ بِأَوْبَاشِ النَّاسِ إِلَى عِتْرتِكَ وبيضتك التَّى تفلقت عَنْكَ لِتُبِيدَ خضراءها، تَعْلَمُ أنِّى قَدْ جِئْتكَ مِنْ عِنْدِ كَعْبِ بْنِ لُؤَىٍّ، وَعَامِرِ بْنِ لُؤَىٍّ قَدْ لَبِسُوا جُلُود النُّمُورِ عِنْدَ الْعُوذِ المطَافِيلِ يُقْسِمُونَ بِاللَّهِ -تَعَالَى- لَا تَعْرِضُ لَهُمْ خُطَّةً إِلَّا عَرَضُوا لَكَ أَمرَّ مِنْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّا لَمْ نأتِ لِقِتَالٍ، وَلِكنَّا أَرَدْنَا أَنْ نَقْضِى عُمْرَتَنَا وَنَنْحَرَ هَدْيَنَا، فَهَلَ لَكَ أَنْ تَأْتِى قَوْمَكَ فَإِنَّهُمْ أَهْلُ قتبٍ، وَإِنَّ الحَرْبَ قَدْ أَخَافَتْهُمْ وَإِنَّهُ لَا خَيْرَ لَهُمْ أَنْ تَأكُلَ الْحَرْبُ مِنْهُمْ إِلَّا مَا قَدْ أَكَلتْ، فَيُخَلُّونَ بَيْنِى وبَيْنَ الْبَيْتِ فَنقْضِى عُمْرَتَنَا، وَتَنْحَرُ هَدْيَنَا،
وَيَجْعَلُونَ بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ مُدَّةً تُزيلُ فِيهَا نِسَاؤُهُمْ، وَيَأمَنُ فِيهَا سِرْبُهُمْ، ويخلون بَيْنِى وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنِّى وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ عَلَى هَذَا الأَمْر الأَحْمَرَ وَالأَسْوَدَ حَتَّى يُظهِرَنِى اللَّهُ -تَعَالَى- أَوْ تَنْفَردَ سَالِفَتِى فَإِنْ أَصَابَنِى النَّاسُ فَذَاكَ الَّذِى يُرِيدُونَ، وَإِنْ أَظْهَرَنِى اللَّهُ -تَعَالَى- عَلَيْهِمْ، اخْتَارُوا: إِمَّا قَاتَلُوا مُعدينَ، وَإِمَّا دَخَلُوا فِى السِّلم وَافرِينَ، قَالَ: فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: تَعْلَمُنَّ وَاللَّهِ مَا عَلَى الأَرْضِ قَوْمٌ أَحَبُّ إِلَى مِنْكُمْ، إِنَّكُمْ لإِخْوَانِى وَأَحَبُ النَّاسِ إِلَىَّ، وَلَقَد اسْتَنْصَرْتُ لَكُمُ النَّاسَ فِى الْمَجامِع فَلَمَّا لَمْ يَنْصُرُوكُمْ، أَتَيْتُكُمْ بِأَهْلِى حَتَّى نَزَلْتُ مَعَكُمْ إِرَادَةَ أَنْ أَواسِيَكُمْ، وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ الْحَيَاةَ بَعْدَكُمْ، تَعْلَمُن أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ عَرَضَ نَصفًا فَاقْبَلُوهُ، تَعْلَمُنَّ أَنّى قَدِمْتُ عَلَى الْمُلُوكِ، وَرَأَيْتُ الْعُظَمَاءَ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ -تَعَالَى مَا رَأَيْتُ مَلِكًا وَلا عَظِيمًا أَعْظَمَ فِى أَصْحَابِهِ مِنْهُ، لَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَهُ رَجُلٌ حَتَّى يَسْتَأذِنَهُ، قَالَ: فَإِنْ هُوَ أَذِنَ تَكَلَّمَ، وَإِنْ لَمْ يَأذَنْ لَهُ سَكَتَ، ثُمَّ إِنَّهُ لَيَتَوَضَّأ فيبتدرونَ وضُوءَهُ يَصُبُّون عَلَى رَءُوسِهِمْ يَتَّخِذُونَهُ حنانًا فَلَمَّا سَمِعُوا مَقَالَتَهُ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو ومكرزَ بْنَ حَفْصٍ، فَقَالَوَا: انْطَلِقُوا إِلَى مُحَمَّدٍ فَإِنْ أَعْطَاكُمْ مَا ذَكَرَ عُرْوَةُ فَقَاضِياهُ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عامهُ هَذَا عَنَّا وَلَا يَخْلُصَ إِلَى الْبَيْتِ حتِّى يَسْمَعَ مَنْ يَسْمَعُ بِمَسِيرِهِ مِنَ الْعَرَبِ أَنَّا قَدْ صَدَدْنَاهُ، فَخَرَجَ سُهَيْلٌ ومكرزُ حَتَّى أَتَيَاهُ وَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَأَعْطَاهُمَا الَّذِى سَأَلَا، فَقَالَ: اكْتُبُوا بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، قَالُوا: وَمَا نَكْتُبُ هَذَا أَبَدًا قَالَ: فَكَيْفَ قَالُوا نَكْتُبُ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، قَالَ وَهَذِهِ فَاكْتُبُوهَا فَكَتَبُوهَا قَالَ: اكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: وَاللَّهِ
مَا نَخْتَلِفُ إِلَّا فِى هَذِا، فَقَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ فَقَالُوا: إِنْ شِئْتَ فَاكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: وَهَذِهِ حَسَنَةٌ فَاكْتبُوهَا فَكَتَبُوهَا وَكَانَ فِى شَرْطِهِمْ إِنَّ بْيَنَنَا لَلْعَيْبَةَ المكْفُوفَةَ (*)، وَأَنَّهُ لَا إِغْلَالَ، وَلَا إسْلالَ قَالَ أَبُو أُسَامَةَ: الأغْلَالُ: الدُّرُوعُ، وَالأَسْلَالُ: السُّيُوفُ -وَيَعْنِى بِالعَيْبَةِ الْمَكْفُوفَةِ أَصْحَابَهُ يُكُّفُهمْ عَنْهُمْ، وَأَنَّهُ مَنْ أَتَاكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا، وَمَنْ أَتَانَا مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ دَخَلَ مَعِى فَلَهُ مِثْلُ شَرْطِى، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: مَنْ مَعَنَا فَهُوَ مِثْلُ شَرْطِنَا، فَقَالَتْ بَنُو كعْبٍ: نَحْنُ مَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَالَت بَنُو بَكْرٍ: نَحْنُ مَعَ قُرَيْشٍ، فَبَيْنَاهُمْ فِى الْكِتَابِ إِذْ جَاءَ أَبُو جَنْدَلٍ يَرْسُفُ فِى الْقُيُودِ، فَقَالَ الْمُسْلُمونَ: هَذَا أَبُو جَنْدَلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ لِى، وَقَالَ سُهَيْلٌ: أقْرأ الْكِتَابَ، فَإِذَا هُوَ لِسُهَيْلٍ، فَقَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَا مَعْشَر الْمُسْلِمينَ أُرَدُ إِلَى الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا جَنْدَلٍ هَذَا السَّيْفُ فَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ وَرَجُلٌ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: أَعَنْتَ عَلَىَّ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسُهَيْلٍ: هَبْهُ لِى، قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَجِرْهُ لِى: قَالَ: لَا، قَالَ مكرزٌ: قَدْ أَجَرْتُهُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ، فَلَمْ يبحْ".
Sign in from the top menu to add or reply to reflections.