إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا هَمَّ بِبَنِي الْأَصْفَرِ يَغْزُوهُمْ جَلَّى لِلنَّاسِ أَمَرَهُمْ وَكَانَ قَلَّمَا أَرَادَ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا عَنْهَا حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةِ فَاسْتَقْبَلَ حَرًّا شَدِيدًا وَسَفَرًا بَعِيدًا وَعَدُوًّا جَدِيدًا فَكَشَفَ لِلنَّاسِ الْوَجْهَ الَّذِي خَرَجَ بِهِمْ إِلَيْهِمْ لِيَتَأَهَّبُوا فِي ذَلِكَ أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَجَهَّزَ النَّاسُ مَعَهُ وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِأَتَجَهَّزَ فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا حَتَّى فَزِعَ النَّاسُ وَقِيلَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَادٍ وَخَارِجٌ إِلَى وَجْهِهِ فَقُلْتُ أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ أُدْرِكُهُمْ وَعِنْدِي رَاحِلَتَانِ وَمَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي رَاحِلَتَانِ قَطُّ قَبْلَهُمَا فَأَنَا قَادِرٌ فِي نَفْسِي قَوِيٌّ بِعُدَّتِي فَمَا زِلْتُ أَغْدُو بَعْدَهُ فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا حَتَّى أَمْعَنَ الْقَوْمُ وَأَسْرَعُوا وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِلْحَدِيثِ وَيَشْغَلُنِي الرِّجَالُ فَأَجْمَعْتُ الْقُعُودَ حَتَّى سَبَقَنِي الْقَوْمُ وَطَفِقْتُ أَغْدُو فَلَا أَرَى إِلَّا رَجُلًا مِمَّنْ عَذَّرَ اللهُ جَلَّ اسْمُهُ أَوْ رَجُلًا مَغْمُوصًا فِي النِّفَاقِ وَيُحْزِنُنِي ذَلِكَ فَطَفِقْتُ أُعِدُّ الْعُذْرَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِذَا جَاءَ وَأُهَيْيءُ الْكَلَامَ وَقُدِّرَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ لَا يَذْكُرَنِي حَتَّى نَزَلَ تَبُوكًا فَقَالَ لِلنَّاسِ وَهُوَ جَالِسٌ بِتَبُوكٍ «مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟» فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي فَقَالَ شَغَلَهُ بُرْدَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ فَتَكَلَّمَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ عَلِمْنَا إِلَّا خَيْرًا فَصَمَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمَّا قِيلَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ وَمَا كُنْتُ أَجْمَعُ مِنَ الْكَذِبِ وَالْعُذْرِ وَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَنْ يُنَجِّيَنِي مِنْهُ إِلَّا الصِّدْقُ فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ وَصَبَّحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فَقَدِمَ فَغَدَوْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ فِي النَّاسِ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ قَلَّمَا نَظَرَ إِلَيَّ دَعَانِي فَقَالَ «هَلُمَّ يَا كَعْبُ مَا خَلْفَكَ عَنِّي؟» وَتَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ لَا عُذْرَ لِي مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ وَقَدْ جَاءَ الْمُخَلَّفُونَ يَحْلِفُونَ فَيَقْبَلُ مِنْهُمْ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ وَيَكِلُ سَرَائِرَهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَى اللهِ ﷻ فَلَمَّا صَدَقَهُ قَالَ «أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيكَ مَا هُوَ قَاضٍ» فَقُمْتُ فَقَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَقَالَ وَاللهِ مَا صَنَعْتَ شَيْئًا وَاللهِ إِنْ كَانَ لَكَافِيكَ مِنْ ذَنْبِكِ الَّذِي أَذْنَبْتَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَكَ كَمَا صَنَعَ ذَلِكَ بِغَيْرِكَ فَقَدْ قَبِلَ مِنْهُمْ عُذْرَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ فَمَا زَالُوا يَلُومُونَنِي حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ هَلْ قَالَ لَهُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ أَحَدٌ وَاعْتَذَرَ بِمِثْلِ مَا اعْتَذَرْتُ بِهِ أَحَدٌ؟ قَالُوا نَعَمْ قُلْتُ مَنْ؟ قَالُوا هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ وَرَبِيعَةُ بْنُ مُرَارَةَ الْعُمَرِيُّ فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا قَدِ اعْتَذَرَا بِمِثْلِ الَّذِي اعْتَذَرْتَ وَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ الَّذِيِ قِيلَ لَكَ وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كَلَامِنَا فَطَفَقْنَا نَغْدُو فِي النَّاسِ وَلَا يُكَلِّمُنَا أَحَدٌ كَلِمَةً وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْنَا وَلَا يَرُدُّ عَلَيْنَا سَلَامَنَا حَتَّى إِذَا دَنَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً جَاءَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِ اعْتَزِلُوا نِسَاءَكُمْ فَأَمَّا هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ فَجَاءَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ إِنَّهُ شَيْخٌ ضَعِيفٌ بَصَرُهُ فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَصْنَعَ لَهُ طَعَامًا؟ قَالَ «لَا وَلَكِنْ لَا يَقْرَبَنَّكِ» قَالَتْ وَاللهِ مَا بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ إِلَى شَيْءٍ وَاللهِ مَا زَالَ يَبْكِي إِذْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا قَالَ فَقَالَ لِي أَهْلِي لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَمَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ قَالَ فَقُلْتُ وَاللهِ مَا أَسْتَأْذِنَهُ فِيهَا وَمَا أَدْرِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِنِ اسْتَأْذَنْتُهُ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ وَأَنَا شَابٌّ فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي الْحَقِي بِأَهْلِكِ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ مَا هُوَ قَاضٍ وَطَفِقْنَا نَمْشِي فِي النَّاسِ وَلَا يُكَلِّمُنَا أَحَدٌ وَلَا يُرَدُّ عَلَيْنَا سَلَّامٌ فَأَقْبَلْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارًا لِابْنِ عَمِّي فِي حَائِطِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَمَا حَرَّكَ شَفَتَيْهِ يَرُدُّ عَلِيَّ السَّلَامَ فَقُلْتُ أَنْشُدُكَ بِاللهِ أَتَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ فَمَا كَلَّمَنِي كَلِمَةً ثُمَّ عُدْتُ فَلَمْ يُكَلِّمْنِي ثُمَّ عُدْتُ فَلَمْ يُكَلِّمْنِي حَتَّى إِذَا كَمُلَتِ الرَّابِعَةُ أَوِ الثَّالِثَةُ قَالَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَرَجَعْتُ وَإِنِّي لَأَمْشِي فِي السُّوقِ وَإِذَا النَّاسُ يُشِيرُونَ إِلَيَّ بِأَيْدِيهِمْ فَإِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ نَبَطِ الشَّامِ يَسْأَلُ عَنِّي فَجَعَلُوا يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ حَتَّى جَاءَنِي فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ بَعْضِ قَوْمِي بِالشَّامِ قَدْ بَلَغَنَا مَا صَنَعَ بِكَ صَاحِبُكَ وَجَفْوَتُهُ عَنْكَ فَالْحَقْ بِنَا وَإِنَّ اللهَ ﷻ لَمْ يَجْعَلْكَ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا دَارَ مَضْيَعَةٍ نُوَاسِكَ فِي أَمْوَالِنَا قَالَ قُلْتُ أَنَا لِلَّهِ فِي طَمَعٍ فِي أَهْلِ الْكُفْرِ فَتَيَمَّمْتُ لَهُ تَنُّورًا فَسَجَرْتُهُ لَهَا فَوَاللهِ أَنَا لَعَلَى تِلْكَ الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى قَدْ ضَاقَتْ عَلَيْنَا الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْنَا أَنْفُسُنَا صَبَاحِيَّةَ لَيْلَةٍ مُنْذُ نُهِيَ عَنْ كَلَامِنَا أُنْزِلَتِ التَّوْبَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ آذَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى الْفَجْرَ فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَى فَرَسٍ أَوْ سَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ فَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ فَنَادَى يَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَبْشِرْ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ الْفَرَجُ فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ دَفَعَتُ لَهُ ثَوْبَيْنِ بُشْرَاهُ وَاللهِ مَا أَمْلِكُ يَوْمَئِذٍ ثَوْبَيْنِ غَيْرَهُمَا وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَخَرَجْتُ قِبَلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنِّئُونَنِي بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيَّ حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ فَكَانَ كَعْبٌ يَعْرِفُ ذَلِكَ لِطَلْحَةَ ثُمَّ أَقْبَلَتُ حَتَّى وَقَفْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وَكَانَ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ لِذَلِكَ فَنَادَانِي «هَلُمَّ يَا كَعْبُ أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ» قَالَ قُلْتُ أَمِنْ عِنْدِ اللهِ أَمْ مِنْ عِنْدِكَ؟ قَالَ «لَا بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّكُمْ صَدَقْتُمُ اللهَ فَصَدَقَكُمْ» قَالَ قُلْتُ فَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي إِلَيْهِ أَنْ أَخْرُجَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ» قُلْتُ أُمْسِكُ سَهْمِي بِخَيْبَرَ قَالَ كَعْبٌ فَوَاللهِ مَا أَبْلَى اللهُ رَجُلًا فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مَا أَبْلَانِي
Add your own reflection below:
Sign in from the top menu to add or reply to reflections.