سَجَوْهُ بِثَوْبٍ فَارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ بِالْبُكَاءِ وَدُهِشَ النَّاسُ كَيَوْمِ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مُسْرِعًا مُسْتَرْجِعًا وَهُوَ يَقُولُ الْيَوْمَ انْقَطَعَتْ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ رَحِمَكَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ كُنْتَ أَوَّلَ الْقَوْمِ إِسْلَامًا وَأَخْلَصَهُمْ إِيمَانًا وَأَشَدَّهُمْ يَقِينًا وَأَخْوَفَهُمْ لِلَّهِ وَأَعْظَمَهُمْ غِنَاءً وَأَحْوَطَهُمْ عَلَى رَسُولِهِ وَأَحْدَبَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَآمَنَهُمْ عَلَى أَصْحَابِهِ وَأَحْسَنَهُمْ صُحْبَةً وَأَفْضَلَهُمْ مَنَاقِبَ وَأَكْثَرَهُمْ سَوَابِقَ وَأَرْفَعَهُمْ دَرَجَةً وَأَقْرَبَهُمْ مِنْ رَسُولِهِ وَأَشْبَهَهُمْ بِهِ هَدْيًا وَخُلُقًا وَسَمْتًا وَأَوْثَقَهُمْ عِنْدَهُ وَأَشْرَفَهُمْ مَنْزِلَةً وَأَكْرَمَهُمْ عَلَيْهِ فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَعَنْ رَسُولِهِ وَعَنِ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا صَدَّقْتَ رَسُولَ اللَّهِ حِينَ كَذَّبَهُ النَّاسُ فَسَمَّاكَ فِي كِتَابِهِ صَدِيقًا فَقَالَ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ وَصَدَّقَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَآسَيْتَهُ حِينَ بَخِلُوا وَقُمْتَ مَعَهُ حِينَ عَنْهُ قَعَدُوا وَصَحِبْتَهُ فِي الشِّدَّةِ أَكْرَمَ الصُّحْبَةِ وَالْمُنَزِّلُ عَلَيْهِ السَّكِينَةَ رَفِيقُهُ فِي الْهِجْرَةِ وَمَوَاطِنِ الْكُرْبَةِ خَلَفْتَهُ فِي أُمَّتِهِ بِأَحْسَنِ الْخِلَافَةِ حِينَ ارْتَدَّ النَّاسُ وَقُمْتَ بِدِينِ اللَّهِ قِيَامًا لَمْ يَقُمْهُ خَلِيفَةُ نَبِيٍّ قَطُّ قَوَيْتَ حِينَ ضَعُفَ أَصْحَابُكَ وَنَهَضْتَ حِينَ وَهَنُوا وَلَزِمْتَ مَنَاهِجَ رَسُولِهِ بِرَغْمِ الْمُنَافِقِينَ وَغَيْظِ الْكَافِرِينَ وَقُمْتَ بِالْأَمْرِ حِينَ فَشَلُوا بِنُورِ اللَّهِ إِذْ وَقَفُوا كُنْتَ أَعْلَاهُمْ فَوْقًا وَأَقَلَّهُمْ كَلَامًا وَأَصْوَبَهُمْ مَنْطِقًا وَأَطْوَلَهُمْ صَمْتًا وَأَبْلَغَهُمْ قَوْلًا وَكُنْتَ أَكْبَرَهُمْ رَأْيًا وَأَشْجَعَهُمْ قَلْبًا وَأَشَدَّهُمْ يَقِينَّا وَأَحْسَنَهُمْ عَمَلًا وَأَعْرَفَهُمْ بِالْأُمُورِ كُنْتَ لِلدِّينِ يَعْسُوبًا وَكُنْتَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَبًا رَحِيمًا إِذَا صَارُوا عَلَيْكَ عِيَالًا فَحَمَلْتَ أَثْقَالَ مَا عَنْهُ ضَعُفُوا وَحَفِظْتَ مَا أَضَاعُوا وَرَعَيْتَ مَا أَهْمَلُوا وَصَبَرْتَ إِذْ جَزَعُوا فَأَدْرَكْتَ آثَارَ مَا طَلَبُوا ونَالُوا بِكَ مَا لَمْ يَحْتَسِبُوا كُنْتَ عَلَى الْكَافِرِينَ عَذَابًا صَبًّا وَلِلْمُسْلِمِينَ غَيْثًا وَخَصْبًا فُطِرْتَ بِغِنَاهَا وَقِرْتَ بِحِمَاهَا وَذَهَبْتَ بِفَضَائِلِهَا وَأَحْرَزْتَ سَوَابِقَهَا لَمْ تَقْلُلْ حُجَّتُكَ وَلَمْ يَزِغْ قَلْبُكَ وَلَمْ تَضْعُفْ بَصِيرَتُكَ وَلَمْ تَجْبُنْ نَفْسُكَ كُنْتَ كَالْجَبَلِ لَا تُحَرِّكُهُ الْعَوَاصِفُ وَلَا تُزِيلُهُ الْقَوَاصِفُ كُنْتَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمِنَ النَّاسُ عَلَيْهِ فِي صُحْبَتِكَ وَذَاتِ يَدِكَ وَكَمَا قَالَ ضَعِيفًا فِي بَدَنِكَ قَوِيًّا فِي أَمْرِ اللَّهِ مُتَوَاضِعًا عَظِيمًا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ جَلِيلًا فِي الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ فِيكَ مَهْمَزٌ وَلَا لِقَائِلٍ فِيكَ مَغْمَزٌ وَلَا فِيكَ مَطْمَعٌ وَلَا عِنْدَكَ هَوَادَةٌ لِأَحَدٍ الضَّعِيفُ الذَّلِيلُ عِنْدَكَ قَوِيٌّ حَتَّى تَأْخُذَ لَهُ بِحَقِّهِ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ عِنْدَكَ ذَلِيلٌ ضَعِيفٌ حَتَّى يُؤْخَذَ مِنْهُ الْحَقُّ وَالْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ عِنْدَكَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ شَأْنُكَ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ وَالرِّفْقُ قَوْلُكَ فَأَقْلَعْتَ وَقَدْ نُهِجَ السَّبِيلُ وَاعْتَدَلَ بِكَ الدِّينُ وَقَوِيَ الْإِيمَانُ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ فَسَبَقْتَ وَاللَّهِ سَبْقًا بَعِيدًا وَأَتْعَبْتَ مَنْ بَعْدَكَ إِتْعَابًا شَدِيدًا وَفُزْتَ بِالْجَنَّةِ وَعَظُمَتْ رَزِيَّتُكَ فِي السَّمَاءِ وَهَزَّتْ مُصِيبَتُكَ الْأَنَامَ فَإِنَّا لِلَّهَ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ رَضِينَا عَنِ اللَّهِ قَضَاءَهُ وَسَلَّمْنَا لِلَّهِ أَمْرَهُ فَلَنْ يُصَابَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِكَ أَبَدًا كُنْتَ لِلدِّينِ عُدَّةً وَكَهْفًا وَلِلْمُسْلِمِينَ حِصْنًا وَفِئَةً وَأُنْسًا وَعَلَى الْمُنَافِقِينَ غِلْظَةً وَغَيْظًا فَأَلْحَقَكَ اللَّهُ بِنَبِيِّكَ وَلَا حَرَمَنَا اللَّهُ أَجْرَكَ وَلَا أَضَلَّنَا بَعْدَكَ قَالَ وَسَكَتَ النَّاسُ حَتَّى قَضَى كَلَامَهُ ثُمَّ بَكَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا صَدَقْتَ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ