"حَدّثنَا سُلَيْمَان بن حَرب، حَدَّثَنَا حَمَّاد بن زَيْد، عَنْ أَيُّوب، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا وَادَعَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَهْل مكَّة وَكَانَت خُزَاعة حُلفَاء رَسُول اللَّه ﷺ في الجاهلية، فَدَخَلت خُزَاعَة فِى صُلح رسُول اللَّهِ ﷺ وَدَخَلَت بَنُو بكْر فِى صُلْح قُرَيشٍ، فَكَان بَيْن خُزَاعَةَ وَبَيْن بَنِى بكْر قِتَالٌ فَأَمَدَّتْهم قُريْشٌ بِسِلاحٍ وَطَعَامٍ وَظَلَّلُوا عَلَيهِم، فَظَهرَت بَنُو بكْر عَلَى خُزَاعَة وَقَتَلُوا مِنْهُم، فَخَافَت قُرَيْش أَنْ يكُونُوا قَد نَقَضُوا، فَقَالُوا لأَبِى سُفَيان: اذْهَب إِلَى محمدٍ وأجْرِ الحِلفَ وأَصْلح بَيْن الناس، فَانطَلَق أَبُو سُفْيان حَتَّى قَدِمَ المَدِينَةَ، فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ قَدْ جَاءكم أبُو سُفْيان وَسَيرِجع رَاضيًا بِغَيْر حاجته، فَأَتَى أَبَا بكْر فَقَالَ: يَا أَبَا بكْر أَجْرِ الحلِف وأَصْلح بَيْن الناس، فَقَالَ: لَيْسَ الأَمْرُ إلىَّ الأَمْرُ إِلى اللَّه -تَعَالَى- وَإِلَى رَسُولِهِ، وَقَد قَالَ لَه فِيمَا قَالَ: لَيْسَ مِنَ قْوم ظَلَّلُوا عَلَى قَوْمٍ وَأَمَدُّوهُم بِسِلَاحٍ وَطَعَامٍ أَنْ يكونوا نَقَضُوا، فَقَالَ أبو بَكْر: الأَمرُ إِلى اللَّه -تَعَالَى- وَإلَى رسُولِهِ، ثُمَّ أَتَى عُمَر بنْ الخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ نَحوًا مِمَّا قَالَ لأَبِى بكْرٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَر: أَنَقَضْتُم فما كَانَ منه جَديدًا فَأَبْلَاهُ اللَّه -تَعَالَى- وَمَا كَان منه شَدِيدًا أَوْ قَال متينًا، فَقَطَعه اللَّه -تَعَالَى-، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: مَا رَأَيْت كَاليَوم شَاهِدَ عَشِيرةٍ، ثُم أَتَى فَاطِمة فَقَالَ: يَا فَاطِمَة! هَلْ لَكَ فِى أَمْرٍ تَسُودِين فِيهِ نَساءَ قَوْمِك؟ ثُمَّ ذَكَرَ لَهَا نَحْوًا مِمَّا ذكر لأَبى بكْر، فَقَالَت: لَيْسَ الأَمر إِلَىَّ، الأَمْرُ إلَى اللَّه تعالى وإلى رسوله ثُمَّ أَتَى عَلِيًّا فَقَالَ لَهُ نَحْوًا مِمَّا قَالَ لأَبِى بكْر، فَقَالَ لَهُ عَلىٌّ: مَا رَأَيْتُ كَاليومِ رَجُلًا أضلَّ، أَنْتَ سَيِّدُ النَّاسِ فَأجْرِ الحلْفَ
وَأَصْلِح بَيْنَ النَّاسِ، فَضَرَب بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرَى وَقَالَ: قَد أجَرتُ الناس بَعْضَهُمْ مِنْ بْعضٍ، ثُمَّ ذَهَبَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى أَهْل مكَّة فَأَخَبرهُم بِمَا صَنَع، فَقَالُوا: واللَّهِ مَا رَأَينا كَاليَومِ وَافدَ قَوْمٍ، وَاللَّه مَا أَتَيْتَنا بِحَربٍ فنَحَذر، وَلَا أَتَيْتَنَا بُصِلْحٍ فنأمن ارجع قال: وَقدمَ وافد خُزَاعَة عَلَى رسُول اللَّه ﷺ فَأَخْبَرهُم بِما صَنَع القَومُ، وَدَعَا إِلَى النَّصر، وَأَنْشَدَهُ فِى ذَلِكَ شِعْرًا:
اللَّهم إِنِّى نَاشِدٌ مُحَمَّدًا .. حِلف أبِيهِ وأَبِينَا الأَتْلَدَا
فَأَمَر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالرَّحِيلِ فارْتَحلُوا، فَسَارُوا حَتَّى نَزلُوا (مَرًا) وَجَاءَ أبُو سُفْيَان حَتَّى نَزَلَ بِمَرٍّ () لَيْلًا، فَرأَى العَسكَر والنِّيران فَقَالَ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قِيلَ: هَذِه تميم محلت ( ) بِلادُهَا ( * *) وانتَجعَت بِلَادكُم، قَالَ: واللَّهِ لهؤلَاء أكثْر مِنْ أَهْل مِنًى، فلما عَلِمَ أنَّه النَّبِىّ ﷺ قَالَ: دُلُّونِى عَلَى العَبَّاس، فَأَتَى العَبَّاس فَأخْبَره الخَبَر، وَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ وَرَسُول اللَّه ﷺ فِى قُبَّةٍ لَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا سُفْيَان! أَسْلِم تَسْلَم فَأَسْلَم أَبُو سُفْيَان وَذَهَب الناس إِلَى مَنْزِلهِ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا ثَار النَّاسُ لِطُهُورِهم، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: يَا أَبَا الفَضْلِ! مَا للِنَّاسِ أُمِروا بِشَىْءٍ؟ قَالَ: لَا، وَلكِنَّهم قَامُوا إِلَى الصَّلَاة، فَأَمَرهُ العَبَّاس فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ إِلَى رسُولِ اللَّه ﷺ فَلَمَّا دَخَلَ رسُول اللَّهِ ﷺ الصَّلَاة
كَبَّر وكَبَّر النَّاسُ، ثُمَّ ركَعَ فركَعُوا، تم رَفَعَ فَرفَعُوا، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: مَا رَأَيْت كَاليَوم طَاعَةَ قَوْمٍ جَمَعَهُم مِن هاهنا وَمِن هاهنا، ولَا فَارِس الأَكارم، وَلَا الرُّوم ذَات القُرُون بِأَطوَع مِنْهُم لَهُ، قَالَ أَبُو سُفْيَان: يَا أبَا الفَضْل: أَصْبَح ابن أَخِيكَ وَاللَّهِ عَظِيمَ الملكِ، فَقَالَ له العَبَّاس: إِنَّه لَيْسَ بِمَلِكٍ وَلَكِنَّهَا نُبُوَّةٌ قال: أو ذاك أو ذاك قَالَ أَبُو سُفْيَان: وَاصَبَاح قُرَيش، فَقَالَ العَبَّاس: يَا رَسُول اللَّه! لَوْ أَذِنْتَ لِى فَأَتَيْتهم فَدَعَوتهُم وَأَمَّنْتُهُمْ وَجَعَلت لأَبى سُفْيَان شَيْئًا يذكرُ بِهِ، فَانْطَلَق الْعَبَّاسُ فَركِب بَغْلَةَ رَسُولِ اللَّه ﷺ الشَّهْبَاءَ -، فَانْطَلَق فَقَالَ رسُول اللَّهِ ﷺ : ردوا على أَبى، ردوا على أَبى، فإِنَ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْو أَبِيهِ، إِنِّى أَخَافُ أَنْ تَفْعَلَ بِه قُرَيشٌ مَا فَعَلت ثَقِيف بِعُرَوة بن مَسْعُود، دَعَاهُم إِلى اللَّهِ -تَعَالَى- فَقَتَلُوه، أَمَا واللَّه لئن ركبُوها منه لأُضرمَّنها عَلَيهم نَارًا، فَانْطَلَق العَبَّاس حَتَّى أتَى مكَّة فَقَالَ: يَا أَهْل مكَّة! أسْلِموا تَسلمُوا، قَدِ اسْتَبْطَنتم بأشهب باذل، وقْد كَانَ رسُول اللَّه ﷺ بَعَثَ الزُّبير مِنْ قِبَلِ أَعلى مكَّة، وبَعَثَ خَالِد بن الوَلِيد مِنْ قَبل أَسْفَل مكَّة، فَقَالَ لهم العبَاس: هَذَا الزُّبَيْر مِنْ قِبَل أَعلَى مكَّة وَهَذَا خَالِدٌ مِنْ قِبَل أَسْفل مَكَّة، وَخَالِد وَمَا خَالِدٌ، وَخُزَاعَةُ المجَدَّعَةُ الأَنُوفِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ أَلقْى السِّلَاح فَهُو أمِنٌ، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فتراموا بِشَئ مِنَ النَّبْل، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ظَهَرَ عَلَيْهم فَأَمَّنَ النَّاسَ إِلَّا خُزَاعَةَ مِنْ بَنِى بَكْر، فَذَكَر أَرْبَعة: مقيس بن صَبَابَةَ، وَعَبد اللَّه بن أَبى سرح، وابن خطَل، وَسَارة مَولاة بَنى هَاشم، فقاتلهم خُزَاعة إلَى نِصْفِ النَّهارِ، فَأنْزَل اللَّه -تَعَالَى- {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} إلى آخر الآية".
.
Add your own reflection below:
Sign in from the top menu to add or reply to reflections.