"جَلَسَ جَمَاعَةٌ مِن أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ يَتَذَاكَرُونَ فَتَذَاكَرُوا: أَىّ الْحُرُوفِ أَدْخَل فِى الْكَلَامِ؟ فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الأَلِفَ أَكْثَرُ دُخُولًا مِنْ سَائِرهَا، فَقَامَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِين عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ - ؓ -، فَخَطَب هَذِهِ الْخُطْبَة عَلَى الْبَدِيَهِ (الْبَدِيهَةِ) وَأَسْقَطَ مِنْهَا الأَلِفَ، وَسَمَّاهَا الْمُوَقَعة (الْمُؤْنَقَة)، وَقَالَ: حَمِدْتُ (وَعَظَّمْتُ) مَنْ عَظُمَتْ مِنَّتُهُ (مِنَنُهُ)، وَسَبَغَتْ نِعْمَتُهُ، وَسَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ وَتَمَّتْ كَلِمَتُهُ، وَنَفَذَتْ مَشِيئَتُهُ، وَبَلَغَتْ قَضِيَّتُهُ، حَمِدتُهُ حَمْد (عَبْدٍ) مُقرٍّ بِربُوبِيَّتِهِ، مُتَخَضِّعٌ لِعُبُوديَّته مُتَنَصِّلٌ لِخَطِيئَتِهِ، مُعْتَرِفٌ بِتَوْحِيدِهِ، مُؤَمِّلٌ مِنْ ربِّهِ مَغْفِرَةً مُنْجِيَةً (تُنْجِيهِ) يَوْمَ يُشْغَلُ عَنْ فَصِيلَتِهِ وَبَنِيهِ، وَيَسْتَعينُهُ وَيَسْتَرْشِدُهُ وَيَسْتَهْدِيهِ، وَيُؤْمِنُ بِهِ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَشَهِدْتُ لَهُ تَشَهُّدَ مُخْلِصٍ مُوقِنٍ، وَبِعزَّتِهِ مُؤْمِنٌ، (وَفَردتُهُ) تَفْرِيدَ مُؤْمِنٍ مُتَيقنٍ، وَوَحَّدتُهُ لَهُ تَوْحِيدَ عَبْدٍ مُذْعِنٍ، لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِى مُلْكِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِىٌّ فِى صُنْعِهِ، جَلَّ عَنْ (مُشِيرٍ) وَوَزِيرٍ، وَعَنْ عَوْنِ مُعِينٍ وَنَظِيرٍ، عَلمَ فَسَتَرَ، وَبَطَنَ فَخَبَرَ، وَمَلكَ فَقَهَرَ، وَعُصِىَ فَغَفَر، وَحَكَمَ فَعَدَلَ، لَمْ يَزَلْ وَلَا (وَلَنْ) يَزُولَ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شئٌ، وَهُوَ قَبْلَ كُلِّ شَئٍ وَبَعْدَ كُلِّ شَئٍ، رَبٌّ مُنْفَرِدٌ بعِزَّتِهِ مُتَمَكِّنٌ بِقُوَّتِه، مُتَقَدِّسٌ بِعُلُوِّهِ، مُتكَبِّرٌ بِسُمُوِّهِ، لَيْسَ يُدْرِكُهُ بَصَرٌ، وَليْسَ يُحِيطُ بِهِ نَظَرٌ، قَوِىٌ مَنِيعٌ (مُعِينٌ)، (عَلِيمٌ) بَصِيرٌ سَمِيعٌ، رَءُوفٌ رَحِيمٌ (عَطُوفٌ)، عَجَزَ عَنْ وَصْفِهِ مَنْ يَصفهُ، وَضَلَّ عَنْ نَعْتِهِ منْ يَعْرِفُهُ، قَرُبَ فَبَعُدَ، وَبَعُدَ فَقَرُبَ، يُجِيبُ دَعْوَةَ مَنْ يَدْعُوهُ وَيَرْزُقُهُ وَيُجِيرهُ (وَيَحْنُوهُ) ذُو لُطفٍ خَفِىٍّ، وَبطْشٍ قَوِىٍّ، وَرَحْمَةٍ مُوسِعَةٍ، وَعُقُوبَةٍ مُوجِعَةٍ، رَحْمَتُهُ جَنَّةٌ عَرِيضَةٌ مُؤْنَقَةٌ، وَعُقُوبَتُهُ جَحِيمٌ مَمْدُودَةٌ مُوبِقَةٌ، وَشِهدْتُ بِبَعْثِ مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِه وَصَفِيِّهِ وَنَبِيِّهِ وَحَبيبِهِ وَخَلِيلِهِ، صَلَّى رَبٌّ عَليْهِ صَلَاةً تُحِيطُهُ (تُحْظِيهِ)، وَتُزْلِفُهُ وَتُعْلِيهِ، وَتُقَرِّبُهُ وَتُدْنِيهِ، بَعَثَهُ فِى خَيْرِ عَصْرٍ وَحِين فَتْرَةٍ وكُفْرٍ، رَحْمَةً مِنْهُ لِعَبِيدِهِ، وَمِنَّةً لِمَزِيدِهِ، خَتَمَ بِهِ نُبُوَّتَهُ، وَوَضَعَ (وَوَضَّحَ) بِهِ حُجَّتَهُ فَوَعَظَ وَنَصَحَ، وَبَلَّغَ وَكَدَحَ، رَءُوفٌ بِكُلِّ مُؤْمِنٍ، رَحِيمٌ سَخِىٌّ، رَضِىٌّ وَلِىٌّ زَكِىٌّ عَلَيهِ رَحْمَةٌ وَتَسْلِيمٌ وَبَرَكةٌ وَتَكْرِيمٌ من رَبٍّ غَفُورٍ رَحَيمٍ، قَرِيبٍ مُجِيبٍ، وَصيَّتُكُمْ مَعْشَرَ مَنْ حَضَرَنِى بِوَصِيَّةِ رَبِّكُمْ، وَذَكَّرتُكُمْ سُنَّةَ نَبِيَّكُمْ، فَعَليْكمْ بِرَهْبةٍ تُسْكِنُ قُلُوبكُمْ، وَخَشْيَةٍ تُذْرِى دُمُوعَكُمْ، وَتُقْيَةٍ تُنجِيكُمْ قَبْلَ يَوْم يُذْهِلُكُمْ وَيُبَلِّدُكُمْ، يَوْمَ تَفُوزُ (يَفُوزُ) فِيهِ مَنْ ثَقُلَ وَزْنُ حَسَنتِهِ، وخَوف (وَخَفَّ) وَزْنُ سَيِّئَتِهِ وَلْتَكُنْ مسيلتكمْ (مَسْألَتكُمْ) وَتَمَلُّقُكمْ مسلة (مَسْأَلَةَ) ذُلٍّ وَخُضُوعٍ، وَشُكْرٍ وَخُشُوعٍ (خُضُوعٍ) وَتَوْبَةٍ، وَنُزُوعٍ، وَنَدَمٍ وَرُجَوعٍ وَلْيَغْتَنِمْ كُلٌّ مِنْكُمْ صِحّتَهُ قَبْلَ سَقَمِهِ، وَشَبِيبتهُ قَبْلَ هِرَمِهِ وكِبَرِهِ، وَسَعتِهِ قَبْلَ فَقْرِهِ، وَفَرْغَتِهِ قَبْلَ شُغلِهِ، وَحَضْرَتِهِ (وَحَضَرِهِ) قَبْلَ سَفَرِهِ، قَبْلَ أَنْ يَكْبَرَ فَيَهْرَمَ وَيَمْرَضَ وَيسْقَمَ، وَيَملَّهُ طَبِيبُهُ، وَيُعْرضَ عَنْهُ حَبِيبُهُ وَيَنْقَطَع عُمْرُهُ، وَيَتَغَيَّر عَقْلُهُ، ثُمَّ قَبْل (قِيلَ) هُوَ مَوْعُوكٌ، وَجِسْمُهُ مَنْهُوكٌ ثُمَّ حِد (أَخذَ) فِى نَزْعٍ شَدِيدٍ، وَحَضَرهُ كُلُّ حَبِيبٍ قَرِيبٍ وَبَعِيدٍ، فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ، وَطَمَحَ بِنَظَرِهِ، وَرَشَحَ جَبِينُهُ، وَغَطَفَ (وَخَطَفَ) عَرِينَّتَهُ، وَسَكَنَ حَنينُهُ، وَجُذِبَتْ نَفْسُهُ، وَبَكت (وَبَكتهُ) عُرْسُهُ، وَحُفِرَ رَسْمُهُ (رِمْسُهُ) (وَيُتَّم مِنْهُ وَلَدُهُ، وَتَفَرَّق عَنْهُ صديقُهُ وَعدُوُّهُ، وَقُسّمَ جَمْعُهُ، وَذَهَبَ بَصَرُهُ وسمعه، وَكُفِّنَ وَمُدِّدَ وَوُجِّه وجُدِّدَ (وَجرِّد) وغُسِّلَ وعُرِّىَ، وَنُشِّفَ وَسُجِّىَ، وَبُسِطَ وَهُىِّءَ، وَنُشِرَ عَلَيْهِ كَفَنُهُ، وَشُدَّ مِنْهُ ذَقْنُهُ، وَقُمِّصَ وَعُمِّمَ وَوُدِّعَ وَعَليه سُلِّمَ، وَحُمِل فَوْقَ سَرِيرِهِ، وصُلِّى عَلَيْه بِتَكْبيرَةٍ، وَنُقِلَ مِنْ دُورٍ مُزَخْرَفَةٍ، وَقُصُورٍ مُشَيَّدَةٍ، وَحُجْرٍ مُنَجَّدَةٍ فَجُعَل فِى ضَريحٍ مَلْحَودٍ وَضَيِّقٍ موْصُودٍ بِلَبِنٍ مَنْضُودٍ مُشَقَّفٍ (مُسَقَفٍ) بِجُلْمُودٍ، وَهِيلَ عَلَيْهِ عَفْرُهُ، وَحُثِىَ عَلَيْهِ مَدَرُهُ، فَتَحقَّقَ حَذَرُهُ، ونُسِىَ خبَرُهُ، وَرَجعَ عَنْهُ وَلِيُّهُ وَصَفيُّهُ وَندِيمُهُ وَنَسِيبُهُ، وَتَبَدَّلَ بِهِ قَرِينُهُ وَحَبِيبُهُ فَهُوَ حَشْوُ قَبْرٍ، وَرَهِينُ قَفْرٍ، يَسْعَى فِى جِسْمِهِ دون (دُودُ) قَبْرِهِ وَيَسِيلُ صَدِيدُهُ عَلَى صَدْرِهِ وَنَحْرِهِ، وَيسْحَقُ تُرُبُه (تُرْبتُهُ) لَحْمَهُ، وَيَنْشَفُ دَمُهُ وَيَرُّم عَظْمُهُ حَتَّى يَوْمَ حَشْرِهِ، فَيُنْشَرُ مِنْ قَبْرِهِ، وَيُنْفَخُ فِى صُورِهِ، وَيُدْعَى لَحَشْرِه وَنُشُورِهِ، فَثَّمَ بُعْثِرَتْ قُبُورٌ وَحُصِّلَتْ سَرِيرةُ صُدورٍ، وَجِئَ بِكُلِّ نَبِىٍّ وَصدّيقٍ وَشَهِيدٍ، وَقَصَدَ لِلْفَضْلِ (لِلْفَصْلِ) بِعَبْدِهِ خَبِيرٌ بصِيرٌ، فَكَمْ زَفْرَةٍ تُغْنِيهِ، وَحَسْرَةٍ تقصيه (تُفْضِهِ) فِى مَوْقِفٍ مَهِيلٍ، وَمشْهَدٍ جَليلٍ بَيْنَ يدَىْ مَلِكٍ عَظِيمٍ بِكُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ عَلِيمٌ حِينَئِذٍ يَلْجُمُ (يُلْجِمُهُ) عَرَقُهُ، ويَحْقِرُهُ (وَيحْفِزُهُ) قَلَقُهُ؛ عَبْرَتُهُ غَيْرُ مَرْحُومَةٍ، وَضَرْعَتُهُ غَيْرُ مُسَمْوُعَةٍ، وَحُجَّتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ تُنْشَرُ صَحِيفَتُهُ، وَتَبِينُ جَرِيدتُهُ (حِينَ)، نُظِرَ فِى سُوءِ عَمَلِهِ، وَشَهِدَتْ عَيْنُهُ بِنَظَرِهِ، وَيَدُهُ بِبَطْشِهِ، وَرِجْلُهُ بخَطْوهِ، وَفَرْجُهُ بِلَمْسِهِ، وَجلْدُهُ بِمَسِّهِ، وَيُهَدِّدُهُ مُنْكَرٌ وَنَكيرٌ، فَكُشفَ لَهُ عَنْ حَيْثُ يَصِيرُ، فَسُلْسِلَ جِيدُهُ، وَفُلْفِلَ: (وَغُلْغَلَ) مُلْكُهُ يَده، وَسِيقَ يُسْحَبُ وَجْدَهُ فَوَرَدَ جَهَنَّم بِكَرْبٍ وَشِدَّةٍ فَظَلَّ يُعَذَّبُ فِى جَحِيمٍ، وَيُسْقَى شَرْبَةً مِنْ حَمِيمٍ، تُشْوَى (يُشْوَى) وَجْهُهُ، وَتُسْلَخُ (ويسلخ) جِلْدهُ، يَضْرِبُهُ مَلَكٌ بِمَقْعٍ (بِمَقْمَعٍ) مِنْ حَدِيدٍ، يَعُودُ جِلْدُهُ بَعْدَ نُضْجِهِ كَجِلْدٍ جَدِيدٍ يَسْتَغيِثُ فَتَعْرضُ عَنْهُ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، وَيَسْتَصْرخُ فَلَم يُجِيبُ (يُجبْ)، يَنْدَمُ حينَ (حَيْثُ) لَمْ يَنفَعْهُ نَدمٌ (ندمه) فَيلْبَثُ حُقْبَةً نَعُوذُ بِرَبٍّ قَدِيرٍ، مِنْ كُلِّ شَرٍّ (مِنْ شرِّ كلّ) مَصِير، وَنسْأَلُهُ عَفْوَ مَنْ رَضِىَ عَنْهُ، وَمَغْفِرَةَ مَنْ قَبِلَ مِنْهُ، فَهُوَ وَلِىُّ مَسْأَلَتِى، وَمَنجح طُلْبتِى، فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ تَعْذِيبِ رَبَّهِ جُعِلَ في جنَّتِهِ بِقُرْبهِ، وَخُلِّدَ فِى قُصُورٍ مُشَيَّدَةٍ، وَمُلِّكَ حُورٌ عِينٌ وَحَفَدَةٌ، وَطِيفِ عَليْهِ بِكُؤُوسٍ وَسَكَنَ حَظِيرَةَ قُدْسٍ فِى فِرْدَوْسٍ، وَتَقَلَّبَ فِى نَعِيمٍ، وَيُسْقَى (وَسُقَى) مِنْ تَسْنِيمٍ، وَشَرِبَ مِنْ عَيْنٍ سَلْسَبِيلٍ، قَدْ مُزِجَ بِزَنْجبِيلٍ خُتِمَ بِمِسْكٍ وَعَنْبَرٍ مُسْتَدِيمٍ لِلْمك (لِلْمَلَكِ)، مُسْتَشْعِرٍ لِلسُّرُور، يَشْرَبُ مِنْ خُمُورٍ فِى رَوْضٍ مُغْدقٍ، لَيْسَ يَنْزفُ فِى شُرْبِهِ، هَذِهِ مَنْزِلَةُ منْ خَشِىَ رَبَّهُ، وَحَذِرَ نَفْسَهُ، وَتِلكَ عُقُوبَةُ مَنْ عَصَى مُنْشِئَهُ وَسَوَّلَتْ لَهُ نَفسُهُ مَعْصِيتَهُ، لَهُوَ قَوْلٌ فَصْلٌ وَحُكْمٌ عَدْلٌ، خَيْرُ قَصَصٍ قُصَّ، وَوَعْظٍ نُصَّ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، عَزِيزٍ حَكيِمٍ، نَزَلَ بِهِ رُوحُ قُدُسٍ مُبِينٌ (مِنْ عِنْد رَبِّ كَريمٍ) عَلَى قَلْبِ نَبِىٍّ مُهْتَدِى (مُهْتَدٍ) رَشَيدٍ صَلَّتْ عَلَيْهِ سَفَرَةٌ مُكْرَمُونَ بَرَرَةٌ، وَعُذْتُ بِرَبٍّ عَليِمٍ حَكِيمٍ قَدِيرٍ رَحِيمٍ مِنْ شَرِّ عَدُوٍ لَعِينٍ رَجِيمٍ يَتَضَرَّعُ مُتَضَرِّعُكُمْ، وَيبْتَهِلُ مُبْتَهِلُكُمْ، وَيَسْتَغْفِرُ (وَنَسْتَغْفِرُ) رَبَّ كُلِّ مَرْبُوبٍ لِى وَلَكُمْ، ثُمَّ قَرَأَ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (*)، ثُمَّ نَزَلَ - رَضِى الله عَنْهُ -".
Add your own reflection below:
Sign in from the top menu to add or reply to reflections.